ابن أبي جمهور الأحسائي
52
عوالي اللئالي
الأسود يمين الله في الأرض ، يصافح بها من يشاء من خلقه " . ( 1 ) ( 2 ) . ( 76 ) وروي عنه صلى الله عليه وآله أنه قال : " رأيت ربي ليلة المعراج في أحسن صورة فوضع يديه بين كتفي ، حتى وجدت برد أنامله بين ثديي " ( 3 ) .
--> ( 1 ) هذا تمثيل وتشبيه والأصل فيه ، أن الملك إذا صافح أحدا ، قبل ذلك الرجل المصافح يده ، فكان الحجر لله بمنزلة اليمين للملك ، فهو يستلم ويلثم ، فشبهه باليمين ، وإنما خص بذلك ، لان الميثاق المأخوذ من بني آدم في قوله تعالى : ألست بربكم ، قالوا بلى . قد جعله الله مع الحجر ، وأمر الناس بتعاهده . ولهذا جاء في الدعاء عنده اللهم أمانتي أديتها ، وميثاقي تعاهدته ، فاشهد لي عند ربك بالموافاة يوم القيامة ( معه ) . ( 2 ) الوسائل ، كتاب الحج باب ( 22 ) من أبواب الطواف ، حديث 9 . ( 3 ) هذه الرواية لا يجوز أن تنسب الرؤية فيها إلى رؤية البصر ، لأنها لم تكن به ، كما توهمه جماعة الجهال ، بل كانت بالبصيرة . لان الواجب بطريق العقل ، تأويل الرؤية بحكم الأصول لئلا يؤدى إلى التجسم ، والحدوث ، والتحديد ، الموجب للامكان كما وجب تأويل اليد بالقدرة ، والجنب ، بالطاعة ، والوجه بالثواب تارة ، وبالذات أخرى فمعنى قوله صلى الله عليه وآله : " رأيت ربى " ليس إلا مشاهدته بحقيقة الكشف بظهور المعاني الإلهية في صورة ، هي أحسن الصور وأجمعها لتلك المعاني . والظاهر أن تلك الصور التي رآه فيها ، وشاهد معانيه بها ، التي هي أكمل الصور وأحسنها وأجمعها لتلك المعاني ، ليس إلا صورته المحمدية ، التي هي أحسن الصور وأشرفها وأجمعها لمعاني الكمال وصفات الجلال . إذ لا يمكن مشاهدة الحق تعالى ورؤيته على التمام ، الا في الصورة الانسانية الكاملة ، التي جميع كمالاتها حاصلة لها بالفعل أو في غير الكامل ، لكن لا على التمام . وقوله صلى الله عليه وآله : " وضع يده " المراد باليد هنا ، القدرة . وكنى بها عن الآثار الحاصلة عن ذلك الكشف وكونها بين كتفيه . أو في ثدييه ، لأنها محل القلب ، الذي هو محل آثار الكشف . وعبر عن البرد الحاصل عن ذلك الوضع بوجود اليقين التام ووجه المناسبة بينه وبين البرد ، سكون صاحبه عن الطلب ، ولهذا جاء في الحديث من وجد برد اليقين استغنى عما سواه . واضافته إلى الأنامل من باب رشح الاستعارة لاشتمال اليد على الأنامل البتة ، ولها مناسبة في المعنى ، من حيث تعدد آثار القدرة فجاز أن يسمى كل واحد من تلك الآثار أنملة ، لان الآثار الحاصلة من الفيض المتوقف على الكف المذكور كانت كمالات متعددة كلها يقينية ( معه ) .